علي محمد علي دخيل
504
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الذي تقضي فيه وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ أي وإني على حمله لقويّ ، وعلى الإتيان به في هذه المدة قادر ، وعلى ما فيه من الذهب والجواهر أمين ، فقال سليمان : أريد أسرع من ذلك ، فعند ذلك قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ وهو آصف بن برخيا وكان وزير سليمان وابن أخته ، وكان صدّيقا يعرف اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وقيل : إن ذلك الاسم اللّه ، والذي يليه الرحمن ، وقيل : هو يا حيّ يا قيّوم وقيل : هو يا ذا الجلال والإكرام وقيل : أنه قال : يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ، وقيل : إنّ الذي عنده علم من الكتاب كان رجلا من الإنس ، يعلم اسم اللّه الأعظم ، اسمه ( بلخيا ) عن مجاهد ، وقيل : الخضر ( ع ) ، عن أبي لهيعة ، وقيل إنّ الذي عنده علم من الكتاب هو جبرائيل ( ع ) ، أذن اللّه له في طاعة سليمان عليه السلام ، وأما الكتاب المعروف في الآية بالألف واللام أراد به جنس كتب اللّه المنزلة على أنبيائه وليس المراد به كتابا بعينه أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ارتداد الطرف : إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا ، والمعنى : حتّى يرتد إليك طرفك بعد مدّه إلى السماء . قال الكلبي : خرّ آصف ساجدا ودعا باسم اللّه الأعظم فغار عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان ، وذلك أن الملائكة حملته بأمر اللّه تعالى فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أي فلما رأى سليمان العرش محمولا إليه ، موضوعا بين يديه في مقدار رجع البصر قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي أي من نعمته عليّ ، وإحسانه لديّ ، لأن تيسير ذلك وتسخيره مع صعوبته وتعذره معجزة له ، ودلالة على علوّ قدره وجلالته ، وشرف منزلته عند اللّه تعالى لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ أي ليختبرني هل أقوم بشكر هذه النعمة أم أكفر بها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لأن عائدة شكره ومنفعته ترجعان إليه ، وتخصانه دون غيره وهذا مثل قوله : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ عن شكر العباد ، غير محتاج إليه ، بل هم المحتاجون إليه لما لهم فيه من الثواب والأجر كَرِيمٌ أي متفضل على عباده شاكرهم وكافرهم ، عاصيهم ومطيعهم ، لا يمنعه كفرهم وعصيانهم من الافضال عليهم ، والإحسان إليهم قالَ سليمان نَكِّرُوا لَها عَرْشَها أي غيّروا سريرها إلى حال تنكرها إذا رأته ، وأراد بذلك اعتبار عقلها على ما قيل نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ أي أتهتدي إلى معرفة عرشها بفطنتها بعد التغيير أم لا تهتدي إلى ذلك فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ فلم تثبته ولم تنكره ، ودلّ ذلك على كمال عقلها حيث لم تقل لا إذ كان يشبه سريرها لأنها وجدت فيه ما تعرفه ، ولم تقل نعم إذ وجدت فيه ما غيّر وبدّل ، ولأنها خلّفته في بيتها وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان مِنْ قَبْلِها أي من قبل الآية في العرش وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين لأمر سليمان وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها عبادة الشمس عن الإيمان باللّه تعالى إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ أي من قوم يعبدون الشمس قد نشأت فيما بينهم ، فلم تعرف إلا عبادة الشمس قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ والصرح : هو الموضع المنبسط المنكشف من غير سقف ؛ وذكر أن سليمان لما أقبلت صاحبة سبأ أمر الشياطين ببناء الصرح وهو كهيئة السطح المنبسط من قوارير أجرى تحته الماء ، وجمع في الماء الحيتان والضفادع ودواب البحر ، ثم وضع له فيه سرير فجلس عليه ، وإنما أمر سليمان عليه السلام بالصرح لأنه أراد أن يختبر عقلها ، وينظر هل تستدل على معرفة اللّه تعالى بما ترى من هذه الآية العظيمة فَلَمَّا رَأَتْهُ أي رأت بلقيس الصرح حَسِبَتْهُ لُجَّةً وهي معظم الماء وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لدخول الماء قالَ لها سليمان إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ أي مملس مِنْ قَوارِيرَ وليس بماء . ولما رأت سرير سليمان والصرح قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بالكفر الذي كنت عليه وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ